الجمعة 04 ديسمبر 2020 الساعة 08:17 م

وكالة غزة الآن الإخبارية

غزة 2020: ما مدى سهولة قيام العالم بمحو الألم الفلسطيني؟

حجم الخط

كتب : ديفيد هيرست 

أود منك أن تقوم بشيء بسيط. أدخل عبارة "أسرة مُكوّنة من ثمانية قتلى" في محرك غوغل للبحث وستحصل على العديد من النتائج، إحداها في ولاية سونورا المكسيكية، وأخرى في مقاطعة بايك في ولاية أوهايو الأمريكية، وأخرى في مقاطعة ميندوسينو في ولاية كاليفورنيا. لكن يبدو أن ذاكرة غوغل الهائلة تعاني من فقدان الذاكرة عندما يتعلق الأمر بما حدث قبل شهر واحد فقط في دير البلح في غزة.

للتذكير لأنك ربما قد نسيت أنت أيضًا: في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر، أسقط طيار إسرائيلي قنبلة من ذخائر الهجوم المباشر المشترك تزن طنا على مبنى كان ينام فيه ثمانية أفراد من عائلة واحدة، تتكون من خمسة أطفال ورضيعين.

في البداية، حاول الجيش الإسرائيلي أن يتملّص من مسؤوليته إزاء مقتل عائلة السواركة (توفي أحد أفراد الأسرة بعد ذلك متأثرا بجروحه ليبلغ مجموع القتلى تسعة). فقد ادعى الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أن المبنى كان مركز قيادة لوحدة إطلاق صواريخ تابعة لحركة الجهاد الإسلامي في وسط قطاع غزة. ولكن كشفت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، أن عمر المبنى المستهدف كان نحو عام. وقد استندت المعلومات الاستخباراتية إلى شائعات، ولم يسعَ أي طرف للتأكد من هوية الأفراد الذين كانوا يعيشون داخل هذا المبنى، فأسقطوا القنبلة على أي حال.

يبدو أن المخابرات العسكرية، التي كانت قادرة على تحديد وضرب أهداف متحركة مثل بهاء أبو العطا، القائد العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في شمال قطاع غزة، أو محاولة قتل أكرم العجوري، عضو المكتب السياسي لهذه الحركة في دمشق، غير قادرةٍ على تحديث المعلومات حول البنك المستهدف من سنة واحدة. لا يحتاج الجيش الإسرائيلي للكذب، ولم يلاحظ أحد ذلك، حيث لم تحتل أخبار تبادل إطلاق الصواريخ ولا مقتل عائلة السواركة الصفحات الأولى في صحف عالمية مثل "الغارديان" أو "نيويورك تايمز" أو "واشنطن بوست".

الخطة التي وضعتها "إسرائيل" لغزة

هكذا تعيش غزة الآن: حصار وحشي لأشخاص منسيين يعيشون في ظروف وصفتها الأمم المتحدة بأنها تجعلها غير قابلة للعيش بحلول سنة 2020، التي لا تفصلنا عنها سوى أسابيع قليلة عليها. من غير الصحيح قول إن وفاة عائلة السواركة قوبلت باللامبالاة في "إسرائيل". المنافس الوحيد لبنيامين نتنياهو هو بيني غانتس. ينبغي لأولئك الأشخاص في العواصم الغربية، الذين يعتبرون غانتس داعية للسلام، لمجرد كونه يتحدى نتنياهو، أن يشاهدوا سلسلة مقاطع الفيديو التي نشرها قائد الجيش الإسرائيلي السابق مؤخرا حول غزة خلال حملته الانتخابية.

في الواقع، يُستهل أحد مقاطع الفيديو بصور تشبه تلك التي كان من الممكن أن تلتقطها طائرة روسية بعد قصفها لشرق حلب. فحجم الدمار يشبه الدمار الذي طال مدينة درسن الألمانية أو ناغازاكي اليابانية بعد تعرضهما للقصف. يتطلب الأمر بضع ثوان فحسب لندرك أن هذه الصورة المرعبة للطائرات دون طيار تمثل احتفالا بالدمار، وليس إدانة له. 

تعتبر الرسالة التي خطتها "إسرائيل" باللغة العبرية واضحة ولا لبس فيها لما يعتبر في القانون الدولي جريمة حرب، والتي جاء فيها: "أُعيدت أجزاء من غزة إلى العصور الحجرية ...دُمّر 6231 هدفًا… وقُتل 1364 إرهابيًا... 3.5 سنوات من الهدوء... القوي وحده من ينتصر". اللامبالاة ليست الكلمة الصحيح. إن العبارات التي استُخدمت لوصف ما حدث تعبّر عن الابتهاج والغبطة. 

لقد سبقت محاولات "إسرائيل" لتضييق الخناق على غزة الحصار الذي فرضته حين تولت حركة حماس مقاليد السلطة في سنة 2007. وكما قال الكاتب الإسرائيلي ميرون رابوبورت، ظل القادة الإسرائيليون يؤيدون أفكارًا حول الإبادة الجماعية وما ينبغي القيام به حيال الجيب الذي لاذ إليه جميع هؤلاء اللاجئين بعد سنة 1948.

 في سنة 1967، أنشأ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ليفي أشكول وحدة لتشجيع الفلسطينيين على الهجرة. قال أشكول، وفقًا لجلسات رفع السرية عن اجتماعات مجلس الوزراء الصادرة في سنة 2017، "ربما سينتقل العرب من قطاع غزة على وجه التحديد بسبب الاختناق والسجن اللذين يمرون بهما هناك. ربما إذا لم نعطهم ما يكفي من المياه فلن يكون لديهم خيار، لأن البساتين ستصبح مجرد أراض قاحلة". وفي سنة 2006، قال مستشار الحكومة، دوف ويسغلاس: "يتمحور الهدف حول تقييد الفلسطينيين بنظام غذائي، ولكن ليس جعلهم يموتون من الجوع".

معبر رفح كصمام للإغاثة

إن هذه المشاعر لم تتغير بمرور الوقت. ويكمن الفرق الوحيد اليوم في أن القادة الإسرائيليين لا يشعرون بالحاجة إلى إخفاء أفكارهم عن غزة بعد الآن. كما فعل غانتز، إن هؤلاء القادة يقولون بصراحة ما كانوا في السابق يقولونه أو يفكرون فيه سرّا. في الواقع، لم يتوقف رؤساء الوزراء الإسرائيليون عن التواصل مع حماس في كنف السرية من خلال الوسطاء، خاصة حول مسألة تبادل الأسرى.

انخرط المبعوث السابق للشرق الأوسط في اللجنة الرباعية، توني بلير، في دبلوماسيته الخاصة من خلال إهداء ميناء بحري ومطار لحماس مقابل إنهاء النزاع مع "إسرائيل"، لكن دون جدوى. لقد عرضت حماس بشكل مستقل هدنة طويلة الأجل أو وقفا لإطلاق النار، كما غيرت ميثاقها لتعكس تسوية تستند على هدنة حدود حزيران/ يونيو 1967. لكن، رفضت حماس تفكيك قواتها المسلحة أو تسليمها، وانتهى الأمر بحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بالتدهور وانعدام الأهمية السياسية نظرا لإعترافهما بوجود "إسرائيل". لا يوفر ذلك الكثير من الحوافز لحماس وجماعات المقاومة الأخرى في غزة.

من جميع النواحي، أصبح التقلب بين الحوار وخوض الحروب ومصالح الأطراف الأخرى من حصار غزة واضحًا أيضًا. في بعض الأحيان، كانت هذه الأطراف كاثوليكية أكثر من البابا في رغبتها في رؤية تعافي غزة وحماس، ومثلت مصر الخاضعة لسيطرة عبد الفتاح السيسي بقيادة المؤسسة العسكرية إحدى هذه الأطراف.

في سنة 2012، في ظل حكم الرئيس محمد مرسي، مرّ ما يقارب 34 ألف شخص عبر معبر رفح كل شهر. وفي سنة 2014، بعد تولي السيسي السلطة، ظلت الحدود مع مصر مغلقة لمدة 241 يومًا، وأُغلقت لمدة 346 يومًا في سنة 2015 - ولم تُفتح إلا لمدة 19 يومًا. كان للسيسي يد في التحكم في معبر رفح الحدودي تماما مثل "إسرائيل".

يمثل المعبر صنبورا يتسبب إغلاقه في تسليط ضغط سياسي على حماس عن طريق حرمانها من الحصول على الرعاية الطبية المناسبة، ويخفف فتحه من الضغط المسلط على نزلاء هذا السجن العملاق. من جهة أخرى، تشكل السلطة الفلسطينية نفسها المتعاون الثالث لتفعيل الحصار. وفقا لحماس، منذ نيسان/ أبريل 2007، خفضت السلطة الفلسطينية من رواتب موظفيها في غزة، وأجبرت 30 ألف موظف عام على التقاعد المبكر، وقلصت عدد التصاريح الطبية لتلقي العلاج في الخارج وقطعت الأدوية والإمدادات الطبية. لا جدال في التخفيضات في الرواتب.

تجربة غير إنسانية

أشار موقع "ميدل إيست آي"، هذا الأسبوع، إلى أن التأثير التراكمي للحصار على المنطقة المحاصرة كان مدمرا. تخيل كيف سيكون رد فعل المجتمع الدولي إذا بلغ معدل البطالة في هونغ كونغ أو نيويورك، وهما إقليمان آخران مزدحمان، 47 بالمئة، ومعدل الفقر 53 بالمئة، ومتوسط حجم الصف الدراسي 39 تلميذا، ومعدل وفيات الرضع 10.5 لكل ألف مولود حي.

اعتاد المجتمع الدولي على إعفاء "إسرائيل" من أي مساءلة عن العقاب الجماعي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها. لكن يتمثل الهدف المهم الآن في ضرورة اعتبار ما يحدث في غزة من انتهاكات وصمة عار إنسانية على ضمير العالم. والواقع أن جميع الحكومات الغربية قد ساهمت بنشاط في بؤس غزة عن طريق الإهمال أو التقصير.

جميعهم متواطئون بعمق في تجربة تفتقر للإنسانية: إبقاء أكثر من مليوني شخص على مستوى إعالة تعتبره الأمم المتحدة لا يطاق ولا يمكن تحمله، دون دفعهم إلى الموت الجماعي. ما الذي يجب أن يحدث حتى يتحقق التغيير؟ إلى متى سنحذف، كما يفعل غوغل على الأرجح، غزة ولاجئيها ومعاناتها اليومية من الوعي الجماعي في العالم؟

المصدر: ميدل إيست آي