السبت 07 ديسمبر 2019 الساعة 01:47 ص

وكالة غزة الآن الإخبارية

دفنوه جوار شقيقته.. أم فقدت جنينها "مرتين" بعد القصف الإسرائيلي على غزة

76634278_570379280460053_3238587370487939072_n.jpg
حجم الخط

كتبت : إشراق أحمد ... 11 عامًا مضت. يُفتح قبر آل قديح مرة أخرى. كل اشتياق لمولود ينتهي بهم هنا؛ في مدافن عبسان الكبيرة –جنوب شرق غزة. الجمعة الماضية، وتحت سماء لازالت معبئة برياح العدوان الإسرائيلي على غزة، دفن إياد صغيره في كفن أخضر يسع لجنين أُجهض كَرهًا قبل ميلاده بشهرين، أودعه جوار طفلته المتوفاة في حرب عام 2008، صلى على الأول صلاة مودع، وألقى السلام على الثانية، فيما يتمزق لسانه بين الحمد والتأوه ألما، فكلما أمل الأب بأن يرزق بطفل، تسببت الصواريخ الإسرائيلية في سلبه، فمع كل قصف تنزف الأم حتى تنقضي حياة جنينها قبل أن تبدأ.

 

الثلاثاء 12 نوفمبر الجاري. بدأ التصعيد العسكري على غزة، بعملية اغتيال بهاء أبو العطا، مسؤول الجناح العسكري بحركة الجهاد الإسلامي. لليوم التالي تتساقط الضحايا وأعداد المصابين في تزايد، بينما يلزم الجميع الدعاء بالنجاة، لكن ذلك لم يثن آل قديح عن مشوارهم الدوري؛ مساء الأربعاء، ذهبت ريم إبراهيم بصحبة زوجها إلى المشفى لأخذ الحقنة المعتادة -يوم تلو الآخر- منذ علمت بأمر حملها، فكانت الأخيرة تلك الليلة، بعد المداومة عليها لنحو 7 أشهر.

 

بعد ساعات، ومع دقات الثالثة والنصف، مطلع يوم الخميس، استيقظت ريم، قبل أذان الفجر، نذرت صلاة قيام لله، كعادتها تدعو أن ينجيها وطفلها، علها ترى وجه صغيرها هذه المرة. كانت ليلة ظلماء رغم بزوغ القمر، تحاملت السيدة المنتظرة وضع جنينها بعد نحو شهرين، وما إن خرجت من الغرفة في طريقها للوضوء، حتى زُلزلت الأرض من تحت أقدامها "صاروخ انضرب هز البيت هز" تستعيد ريم ما كان من قصف يجاور منزلهم.

 

هرولت صاحبة التاسعة والثلاثين ربيعًا فزعًا، فيما انتفضت بقية الأسرة، فوجدوا ريم في حالة إعياء شديد. "صار معها نزيف" يحكي إياد، قبل أن يصعد إليه والداه الساكنان بالطابق الأرضي للبيت، اتصل الأب بالإسعاف، ووصلت في غضون عشر دقائق، بينما يلوح ذكرى مشئومة ليوم مشابه "في حرب 2008 فقدت طفلة بعد قصف جوار البيت متل هيك ونزفت ونزلتها بعمر 6 شهور".

 

منذ زواج إياد من ريم عام 2006 لم يُرزقا بطفل، لجئا إلى الحقن المجهري، تحملا الأعباء النفسية والمادية، حاولا لنحو خمس مرات، وقُدر النجاح في إحداها، قبل أن يعودا للركون إلى رحمة الله والانتظار بعد وفاة الجنين، ليتحقق حلمهما هذه المرة بشكل طبيعي دون تدخل جراحي، لكن سرعان ما عاد الأمل لسيرته الأولى مع نهاية العدوان الإسرائيلي، الذي شهدته مدينة غزة المحاصرة خلال 48 ساعة من الأسبوع الماضي.

 

"بنتظر هذا الطفل من سنين ولما ربنا أدانا صار القصف الإسرائيلي.. ضربوا حوالين البيت والمستشفى كمان. نزلته" بصوت مكلوم لم يقو الأب إياد قديح على قول المزيد حول إجهاض طفله، فقط يستقبل المعزين المقبلين على داره في البلدة الواقعة شرقي خان يونس.

 

لم تكن فقدت ريم طفلها، حين وصلت مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس –جنوب غزة. استطاع الأطباء السيطرة على النزيف، كانت الأم بوعي كاف لإدراك ما حولها "كنت كويسة والجنين كشفوا عليه وقالوا لي بخير"، لكنها لم تسلم.

 

مع ظهر الجمعة، خالفت الطائرات الإسرائيلية اتفاق الهدنة المتفق عليه قبل يوم، وواصلت القصف بنحو 5 غارات في مدينة خان يونس. عدة قذائف تدوي في النفوس قبل أن تسقط أرضًا، رُجت الأرجاء ثانية، وريم هذه المرة على أعتاب باب غرفتها في المستشفى تنتظر الطبيب لتسأله عن دواء تتناوله "صار نفس الشيء. هزت المستشفى وصار المرضى يجروا يخرجوا من غرفهم"، فيما سقطت السيدة الثلاثينية أرضًا بنزيف شديد، فاقت منه على الخبر الأكيد. فقدت ريم طفلها المنتظر.

 

17 حفيدًا لدى يونس قديح من بناته الخمس، لكن كان لطفل ابنه إياد فرحة خاصة "هاد بيكون أول حفيد إلي من ابني الكبير الوحيد المتزوج. يوم قدومه كان هيكون عيد". ذاق الجد مع ولده وزوجته مشقة المشوار وبعض الفرحة، إذ احتضن السعادة بخبر حمل ريم قبل 7 أشهر "كنا واقفين على خدمتها مشان ما تتعب لكنها إرادة الله".

 

منع القصف الجد من الذهاب إلى المستشفى إلا في اليوم التالي؛ وقتها علم بالخبر الصادم، لكنه وقع محاطًا بلطف خفي، أخبرهم الطبيب أن ريم كادت تفقد حياتها أو الرحم "لكن إرادة ربنا تدخلت وانقذوها ونزل الجنين متوفى بشكل طبيعي". حينها خف المصاب.

 

8 أطفال شيعتهم غزة في العدوان الأخير ضمن 34 شهيدًا، لتصرح وزارة الصحة الفلسطينية أن ثلث ضحايا التصعيد الإسرائيلي على غزة من الصغار والنساء، وكتب الأطباء في مستشفى ناصر، أن إجهاض ريم بسبب "شدة القصف" كما يقول الأب والجد، وبحسبهم يُنتظر استخراج شهادة الوفاة، فيما يُخرج الطب الشرعي تقريره حول الأمر خلال الأيام القادمة، حد قول أشرف القدرة، المتحدث الإعلامي باسم وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، لمصراوي.

 

مع الثامنة مساء الجمعة، سكن "الجنين" ذو السبعة أشهر القبر. كان ينوي أبيه أن يسميه يونس نسبًا لجده، لكنه واراه التراب ليكون أكثر انتسابًا لأرض مدينته "خان يونس"، التي كانت على موعد لإحياء ذكرى استشهاد نحو 500 فلسطينيا، قتلهم الاحتلال الإسرائيلي في مجزرتي "مخيم خان يونس" في الشهر ذاته يومي 3، و12 نوفمبر، قبل 63 عامًا.

 

نحو 200 شخصًا خرجوا لدفن "يونس" الصغير. حمله أبيه بين كفيه، وأودعه جده في اللحد، فيما كانت تئن الأم في المستشفى لذكرى لن تمحى "في 2008 لما نزلت بنتي كنت في غيوبة ما دريت بشيء غير هاي المرة فاكرة كل اشي"، لا تتذكر ريم طفلتها "زايدة" التي سمتها نسبة لوالدتها، لكن الجد يونس يذكر، فهو من دفنها أيضًا "ضلت 3 أيام وتوفت وانتظرنا بعدها مشيئة الله".

 

لم تقصف الطائرات الإسرائيلية مباشرة منزل آل قديح، لكنها قصفت القلوب مرتين خوفًا وحزنًا، فقتلت أوهن سكانها. مضى أسبوع على مصاب الأسرة، عادت ريم لمنزلها الأحد الماضي. من فوق السطح يرى الجد يونس آليات القوات الإسرائيلية على الحدود، يكتم المسن أنينه، إذ اعتاد المصاب حال أهل غزة "في حرب 2014 راح عندنا 8 شهداء شباب صغار من 18 سنة ونازل"، لكنه يتذكر مهمته في التخفيف عن ابنه وزوجته، فكلما ضعفت قواهما ذكرهما "يا بنيا هذا أمر الله.. الحمد لله أنتوا لسه مربتوش. في أسر ربت وراحت أولادها بالتمانية والعشرة. الأخوة كلها راحت".

mm