الأربعاء 20 مارس 2019 الساعة 05:32 م

وكالة غزة الآن الإخبارية

تقييم اسرائيلي لمسيرات العودة الكبرى بعد سنة على انطلاقها .

gSu90.jpg
حجم الخط

مرّت سنة كاملة تقريبا منذ بدء تظاهرات مسيرة العودة المدنية السلمية عن السياج الأمني المحيط بقطاع غزة، ولم يمرّ أسبوع واحد من دون مواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي. وسقط شهداء وجرحى فلسطينيون، في معظم أيام الجمعة، التي شهدت هذه التظاهرات. ويبدو أن إسرائيل لا تعرف كيف تواجه هذه التظاهرات، التي بادر إليها وأطلقها الفلسطينيون، في الثلاثين من آذار/مارس العام الماضي.

  • دراسة، أعدها رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب، والرئيس السابق لدائرة الجبهة الفلسطينية في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية برتبة عقيد، ميخائيل ميلشطاين، ونُشرت أمس الخميس، إلى أن مظاهرات مسيرات العودة، من حيث "خصائصها ومدتها مختلفة كليا عن النزاعات التي خاضتها إسرائيل في هذه الجبهة في العقود الأخيرة. وإثر ذلك، من الصواب تعريفها كـ’معركة جديدة’". واعتبر أن "بدايتها بـ’مسيرات العودة’، وهي احتكاك شعبي بحجم وقوة لم يُشهد مثلها في الماضي في قطاع غزة. ولاحقا، شملت المعركة الجديدة إرهاب الطائرات الورقية والبالونات، وكذلك مواجهات عسكرية موضعية قرب السياج الحدودي، ووصلت أوجها بجولات تصعيدية ذكّرت بالفترة التي سبقت الجرف الصامد"، أي العدوان على غزة عام 2014.

ورأى ميلشطاين أن "نموذج النضال الشعبي، الذين ميّز غالبا الضفة الغربية، الذي يكون فيه الاحتكاك بين الجيش الإسرائيلي والجمهور الفلسطيني واسعا نسبيا، جرى نسخه إلى جبهة القطاع، وملاءمته للظروف الخاصة في المنطقة. وذلك إلى جانب الحفاظ على تواصل مستمر للمواجهة، التي ألزمت إسرائيل بحالة تأهب دائم، وحشد قوات كثيرة، وحتى حرف الانتباه عن التحديات الإستراتيجية المركزية التي تواجهها، وفي مقدمتها الجبهة الشمالية".

واعتبر الباحث أن هذه "المعركة الجديدة" لم تكن "خطة منتظمة جرى إخراجها إلى حيز التنفيذ، وإنما ’تجربة وتضليل’ مارستها حماس خلال السنة الأخيرة، وحماس رعت هذه التظاهرات ولاءمتها لاحتياجاتها. وبمنظور حماس، غاية هذا النضال إنقاذها من الضائقة المتعددة الجوانب التي تواجهها، وذلك من دون المخاطرة بمعركة عسكرية واسعة النظاق وبالغة الأضرار على غرار ’الجرف الصامد’. وفي أعقاب ذلك بالإمكان تسمية أسلوب عمل حماس بـ’معركة بين حربين’، وهو مصطلح مستعار من المفهوم الذي طوّره الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة".

  • ميلشطاين أن "اهتمام حماس المركزي كان متركزا على الضائقة المدنية الشديدة في القطاع، وعلى طرق لتخفيفها. وهدف المعركة الجديدة كان الضغط على إسرائيل كي تسمح بتسهيلات مدنية أخرى في قطاع غزة، من جهة؛ ومن الجهة الثانية، غاية النضال حرف أنظار سكان القطاع عن مشاكلهم الداخلية وتحويل إحباطهم نحو إسرائيل. وكان من شأن الصيغة ’الشعبية’ لمعظم الأحداث أن يساعد في تجنيد شرعية داخلية وخارجية، ومن خلال ذلك منع إسرائيل من تحقيق تفوقها العسكرية لدى مواجهتها التحديات الجديدة في جبهة غزة".

الانقسام بين القطاع والضفة

اعتبر ميلشطاين أنه توجد عدة استنتاجات مما يصفها بـ"المعركة الجديدة"، أي مسيرات العودة المتواصلة منذ سنة تقريبا، إزاء "الصورة الجديدة لحماس والاتجاهات الأساسية في المؤسسة الفلسطينية"، وهي:

أولا، "القطيعة الحاصلة فعليا بين جانبي المؤسسة الفلسطينية: رغم موت (استشهاد) أكثر من 250 فلسطينيا في الاحتكاكات في المنطقة الحدودية لقطاع غزة في السنة الأخيرة، بقيت الضفة الغربية هادئة نسبيا من الناحية الشعبية والأمنية. والآن، على الأقل، يبدو أن الجمهور الفلسطيني في الضفة مرتدع من التوجه إلى خطوات شعبية، بما في ذلك التماثل مع أشقائه في قطاع غزة، ويفضل الاستمرار في الحفاظ وتنمية نسيج حياته. وهذا الأمر يسبب إحباطا عميقا في حماس، التي تحاول ’إشعال’ الضفة الغربية بواسطة المبادرة إلى عمليات وتشجيع نضال شعبي".

ثانيا، "تعزز مفهوم حماس الاستقلالي كجهة ذات سيادة وإحدى غاياتها المركزية، وربما المركزية، هي الحفاظ على الحكم ومعالجة الوضع المدني، من دون التنازل عن صبغتها الأصلية وغاياتها الإستراتيجية، وخاصة الأهمية التي توليها للحفاظ على قوتها العسكرية وتنميتها. والاعتبار المدني، مثلما في حالة ’الجرف الصامد’، مرتبط بحبل سرّة المعركة الجديدة، ويعكس مرة أخرى المشكلة العويصة القائمة في قطاع غزة بين الواقعين المدني والأمني، وهي علاقة لم تُفهم بالقدر الكافي في إسرائيل عشية ’الجرف الصامد’".

ثالثا، "تسعى حماس طوال الوقت إلى فك رموز طريقة التفكير الإسرائيلية، ويُلاحظ أن قيادة الحركة تفهم جيدا الارتداع العميق، لدى الحكومة والجيش والجمهور في إسرائيل، من تصعيد ’متدحرج’ يؤدي إلى احتلال القطاع. وعلى ضوء ذلك، تدفع حماس نموذج نضال يسمح لها بالتعبير عن صبغتها كحركة مقاومة وأن تثبت أنه على الرغم من تحولها إلى حزب حاكم، ورغم تخوفها العميق من حرب واسعة، فإنها لا ترتدع بشكل مطلق من دفع خطوات متحدية تجاه إسرائيل".

  • "العودة إلى ’عهد الجولات’. يرافق هذه الظاهرة خطر الانزلاق، حتى من دون تخطيط ورغبة الجانبين، إلى حرب واسعة، مثلما حدث في سابقة ’الجرف الصامد’. والدمج بين الشجاعة المتزايدة للفصائل المسلحة في القطاع، وارتداع حماس من فرض سيادته بالقوة عليها، تشكل وصفة لتدهور الوضع: الاحتكاكات الموضعية قد تتطور إلى ’تبادل ضربات’ مع إسرائيل، وتتسع لاحقا إلى حد مواجهة واسعة".

خامسا، "مشكلة الجيل الشاب في المؤسسة الفلسطينية عامة وفي قطاع غزة خاصة: الشبان الغزيون هم القوة المحركة المركزية للنضال الحالي، ووزنهم بالغ بين جمهور المتظاهرين وكذلك بين القتلى (الشهداء) في الصدامات. وحماس تعي الإحباط العميق بين جمهور الشباب الذي يفتقر إلى أفق، والذي قسم كبير منه يشعر أنه ليس لديه ما يخسره، ويحاول تحويل نشاطه ضد إسرائيل. وتفجر مستقبلي لغضب الشباب والذي سيوجه ضد حماس أيضا، من شأنه أن يقود الأخيرة إلى المبادرة لخطوات عسكرية محدودة ضد إسرائيل، وذلك بهدف حرف أنظار الجمهور عن المشاكل الداخلية".

وأشار ميلشطاين إلى أن غزة هي "الجبهة الأكثر قابلية للاشتعال" التي تواجهها إسرائيل اليوم. "ورغم أنه لا توجد مصلحة لدى أي من الجانبين بتصعيد حتى موعد الانتخابات في إسرائيل، إلا أنه، مثلما حدث في الماضي، ثمة احتمال لتدهور من دون وجود رغبة لدى كلا الجانبين، في أعقاب احتكاك متواصل يرافقه سوء فهم".