السبت 15 يونيو 2019 الساعة 01:05 م

وكالة غزة الآن الإخبارية

العنف ضد الأطفال.. من يتحمل المسؤولية الكبرى؟

حجم الخط

 

فاطمة القسومي

استوقفني اليوم مشهد طفلين لم يتجاوز عمرهم الست سنوات على أبعد تقدير، يتبادلان اللكمات والضربات والشتم والكلام البذيء.. والشي المضن ليس هذا المشهد فقط بل رجل يمر على الموقف ويقول لي بصريح العبارة: "لا ترهقي نفسك معهم إنه أمر عادي.. ما زالوا صغارا.." يا للأسف ويا للأسف!

بقدر ما آلمتني ردة فعل الرجل، أشعلت لهيب غضبي... ألهذه الدرجة في مجتمعنا، اليوم، أكثر ما يقال عن مظاهر العنف والتسيب شيئا عاديا! ألا يعلم هذا الرجل أن الصغر هو الوقت الذي يجب فيه تربية الأطفال، لأن من شب على شيء شاب عليه.. ألهذه الدرجة أصبح السب والتلفظ بالكلام البذيء شيئا عاديا ومألوفا مثل تحية الصباح والمساء وأصبح أغلبنا يكتفي فقط بالمشاهدة وبقراءة الواقع وما يترتب عن هاته الظواهر إلا أخلاقية في ما يكتب في الجرائد وفي ما يقال ويروى من أحداث على شاشات التلفاز أو ما ينشر بسرعة البرق على مواقع التواصل الاجتماعي.. نعم، مع كامل الأسف، أصبحنا جمهورا يتابع مسرحية ويتقن دور المشاهد بنجاح.. مسرحية عنوانها "أجسام بلا رؤوس"، فيا حسرتاه على حالنا وواقعنا الذي يبدو مريبا ومخيفا ومخيبا لكل الآمال.

تبدلت الصورة الجميلة بالقبح القادم من الشمال.. أصبحنا مغارة لا تدخلها الشمس، لا يقترب منها حتى الهواء، فكيف يا ترى تكون فيها الحياة.. تفاقمت مظاهر العنف، أما قيم الاحترام، لم تعد مصطلحا في قاموس شباب ولا أطفال اليوم.. اللسان ثلوث وأصبح مليئا بالسواد، والأيادي لا تفتأ تلوح بما يشي بالاستعداد للانقضاض والاعتداء كحيوان متوحش يريد الانقضاض على فريسته.. أين الكلمات اللطيفة المهذبة اللبقة التي كانت تسبق اللسان، حتى الاعتذار والشكر كانا يسبقان طلب المساعدة والسؤال، صار معجم الشتم والعنف هو ما يلهج به الشباب اليوم ولكن الملفت للانتباه أكثر، هو أن هذه الظواهر اللاأخلاقية استفحلت أيضا عند الأطفال الصغار..

فصار معجم العنف والكلام البذيء هو ما تلهج به ألسنتهم.. فالأحاديث ذات الطبيعة الخشنة واللاأخلاقية وخطابات الكراهية والتفرقة انتشرت مثل النار في الهشيم، أما طريقة اللباس والحلاقة هي بدورها تشي بهذا العنف والفظاظة، بل إنها صارت تعبيرا عن هذه الأجسام النافرة التي خلت من الرؤوس، وأصبحت أقل ما يقال عنها قصب أجوف، متآكل من الداخل، ليبقى الجسد فارغا من كل شيء، إلا من هذه الرثاثة التي لبسته وحلت فيه.. أما ما جرى في جامعتنا ومدارسنا من عنف، خلال السنة الدراسية التي مرت بعسر، ما هو إلا تعبير عن هذه الظاهرة، عن هذا الواقع الملتبس، المدلهم والغامض الذي أشكل على الجميع، على الأسرة وعلى المدرسة..

فمنا من يوجه أصابع الاتهام للأسرة، أو للمدرسة.. في نظري، استفحال هذه الظواهر اللاأخلاقية في أوساط المجتمع وخاصة عند الأطفال، يرجع إلى ضعف الوازع الديني لديهم، زيادة إلى عدم وجود مؤسسات قوية كالأسرة والمدرسة وكذا المساجد وحتى المؤسسات الإعلامية للقيام بواجب التربية السليمة على أسس دينية بحتة.. فما نعيشه اليوم هو أحد تعبيرات فشل ليس فقط الأسرة والمدرسة بل المجتمع كاملا في احتواء أجيال مثالها ليس هو ما يجري في الأسرة ولا ما يجري في المجتمع، بل ما يجري على مواقع التواصل "الاجتماعي" أو الإعلام عامة الذي تشعب في حياة كل فرد منا إلى درجة لم يعد ممكنا معها كبحه أو مواجهته (إلا من رحم ربي)، فكل واحد منا يضع في جيبه لغما ووسيلة من وسائل هذا "الانحراف" الشامل والعام..

واقعنا تغير كثيرا، ووثيرة تغيره لا تنفك تكبر وتتسع بصورة غير مسبوقة العهد، أو أقول بالأحرى مرعبة، وكلما تركنا الأمر على حاله، اتسع الفتق على الراثق كما يقال، ولم يعد ممكنا إدراك ما فات وإصلاح ما فسد.. ربما يقول البعض ممن قرأ سطوري، إنني كعادتي مفرطة في تشخيص الحال، كم أتمنى أن أكون كذلك ولكن بل أنا مثل الكثيرين، لم أعد أستسيغ هذا التسيب الذي عم كل شيء.. أصبحنا نرى أيضا حتى الآباء والأمهات قدموا استقالاتهم أو وضعوا يدا على يد واكتفوا بالتنظير وبترجمة المفاهيم وما يجري في المجتمعات الأخرى غير مجتمعاتنا من تفسيرات ونظريات.. وجب حقا دق ناقوس الخطر فمما ليس فيه شك إن ظل الحال كما هو عليه سيتحول مجتمعنا الى غابة تحكمها الوحوش لا البشر.

المصدر: وكالات