تفاصيل الخبر

الثلج عند الفلسطينيين… مقاومة رومانسية ونكت وانتقادات لـ«هواة الطقس»

علاقة الفلسطينيين مع الثلج مختلفة عن غيرها من الدول التي يتساقط عليها الثلج سنويا، فالثلج زائر غير سنوي، وفي أحيان أخرى لا يطرق باب الفلسطينيين إلا مرة كل خمس أو عشر سنوات، وهو ما يجعل حضوره حدثا رومانسيا بجدارة وتأريخا لأحداث شخصية أو عامة مهمة.
وبحسب الباحث في التراث الشعبي والحكواتي الفلسطيني حمزة عقرباوي، فإن ذلك هو ما دفع الفلسطينيين للتأريخ بالثلج، أي أن يستخدم الفلسطينيون جملة “سنة الثلجة” .
وهطلت الثلوج على مدن القدس والخليل وبيت لحم ورام الله والبيرة وقرى تابعة لهما، بدءًا من مساء أول من أمس الأربعاء وحتى فجر أمس (الخميس) غير أن ذلك لم يكن بمقدار التوقعات التي قدمها نشطاء أو مواقع وصفحات شخصية تنشط على شبكات التواصل الاجتماعي لمن يطلق عليهم “هواة الطقس” ويحظون بشعبية جارفة على الشبكات الاجتماعية، وهو ما حول الأمر إلى مساحة كبيرة جدا للنقد والتنمر والسخرية من تلك التوقعات.

القدس حضور بهي ومقاومة

الحضور الأكبر للثلج كان في مدينة القدس، حيث تراكمت الثلوج، فيما سارعت آليات بلدية الاحتلال إلى إعادة فتح الشوارع في المدينة، لكن المواطنين المقدسيين حولوا الهطول الثلجي إلى حالة رومانسية منقطعة النظير بفعل مشاركة صور وفيديوهات للمسجد الأقصى المبارك وهو مغطى بالثلج.
اكتست المدينة المحتلة وجبالها وأحياؤها وأزقتها وشوارعها بالثلوج، وظهرت البهجة جلية على المقدسيين الذين انتظروا الزائر الأبيض بشوق، ومع مرور الساعات وتعمق المنخفض الجوي ارتدت العاصمةُ الفلسطينية المحتلة حلتها البيضاء.
لكن هذه الفرحة لم تكتمل مع اعتقال شرطة الاحتلال24 شابا من أحياء متفرقة من المدينة، تهمتهم “اللعب بالثلوج” .
أما الصور الجميلة فكانت لقبة الصخرة الصفراء اللامعة التي جلس الثلج الأبيض عليها في حالة نادرة دفعت الشبكات الاجتماعية لأكبر عملية تبادل للصور التي التقطها صحافيون ونشطاء مقدسيون ومرابطون.
فمع الساعات الأولى لهطول الثلج مساء أول من الأربعاء وأمام حماسة الشباب وابتهاجا بالزائر الأبيض قاموا بقذف سيارات شرطة الاحتلال في المدينة المحتلة بكرات الثلج، وهو ما قاد إلى مواجهات مع الشبان والشرطة الإسرائيلية تحولت إلى رمي سيارات الشرطة بالكراسي الحديدية.
وبحسب هيئة شؤون الأسرى فإن قوات الاحتلال اعتقلت24 فلسطينيًا من القدس، على خلفية التفاعل مع الثلوج منذ مساء أول من أمس.
وقام مقدسيون برفع علم فلسطين على سور البلدة القديمة قرب باب العامود، بالتزامن مع بدء الهطول الثلجي.
ونشر موقع “القسطل الإخباري” فيديوهات توثق قيام قوات الاحتلال باعتقال شبان أثناء ملاحقتهم في المسجد الأقصى فيما كانت الثلوج تغطي ساحات المسجد وتعيق ملاحقة الشبان.
وكتبت الإعلامية المقدسية زينة الحلواني على صفحتها الخاصة على “الفيسبوك” حول “مقاومة الثلج” عندما قام شبان مقدسيون برمي عناصر الشرطة الإسرائيلية بكرات الثلج قائلة: “يعني صحيح احنا زدناها شوي وانبسطنا كتير بالثلج بس مش كلشي يا شرطة الاحتلال تاخدوا على محمل الجد، شو يعني اكلتوا كم ثلجة ولا كم كرسي”.
وتابعت قائلة: “أن تعتقلوا الشباب في هذه الليلة الباردة فهذا يعني أن الأهالي سيخرجون من منازلهم لمراكز الشرطة في عز البرد أملا في إطلاق سراحهم”. وختمت بسخرية: “كان مسحتوها بذقن هالثلجات هالمرة”.
وحسب مصادر مقدسية فإن شرطة الاحتلال نفذت حملة اعتقالات طالت 23 مقدسياً من أنحاء متفرقة من مدينة القدس المحتلة معظمهم من الأسرى المحررين، بينهم شاب أصابته برصاصة معدنية مغلفة بالمطاط قبل اعتقاله. كما اعتقلت صباح أمس شابًا من ساحات المسجد الأقصى المبارك.
وقال رئيس لجنة أهالي أسرى القدس أمجد ابو عصب: “في إجراء ظالم بعيد عن كل معاني الإنسانية نفذ الاحتلال حملة اعتقالات واسعة في صفوف المقدسيين، طالت 14 شابا ًمن بلدة الطور وحدها، بحجة أنهم شاركوا في إلقاء الحجارة على سيارة شرطة”.
وأوضح أن الاعتقالات تمت رغم البرد الشديد وتدني درجات الحرارة وتراكم الثلوج.
وأكد أن معظم من تم اعتقالهم من بلدة الطور شرق مدينة القدس المحتلة هم من الأسرى المحررين وقد عرف منهم: محمد خليل أبو سبيتان، ومحمد مهند أبو الهوى، سلطان خويص، مهدي أبو غنام، عمر يوسف خويص، أيهم ناجي أبو جمعة، يزن أبو جمعة، إسماعيل المخ، محمد جمال خويص، وتم تحويل بعض المعتقلين لمراكز التحقيق والإفراج عن جزء منهم وتمديد اعتقال آخرين.
وفي بلدة العيسوية شمال شرق مدينة القدس المحتلة، اعتقلت شرطة الاحتلال الليلة الماضية، الشاب مهند أبو عصب عقب إصابته برصاصة معدنية مغلفة بالمطاط عند مدخل البلدة.
كما اعتقلت قوات الاحتلال صباح أمس الخميس الشاب صلاح أسامة من باحات المسجد الأقصى المبارك.
واعتبر مقدسيون سلوك الشرطة مؤشرا على رغبتها بالتنغيص على المقدسيين أثناء لهوهم وفرحهم بالزائر الأبيض في باب العامود بالقدس. وإلى جانب ذلك منع الاحتلال من لا يحملون عنوان البلدة القديمة في القدس من دخولها، كما حاولت الشرطة تفريغ باب العامود، وأطلقت قنابل الصوت والرصاص المطاطي صوب الأهالي في منطقة باب العامود دون أن يبلغ عن أي إصابات، في محاولة لإخلائه من الشبان الذين كانوا فرحين بالثلوج.
ووثقت الفيديوهات التي مصدرها مواطنون يسكنون في منازل قريبة من المسجد الأقصى وقبة الصخرة منظرا أخاذا للقبة حيث بدت إطلالة مشتهاة في تداخل سقوط الثلج بالرغبة في زيارة المسجد.
وبفعل الثلج تحول المسجد الأقصى المبارك الوجهة الأولى التي قصدها المقدسيون لأداء الصلوات والاستمتاع بالثلج أطفالا وكبارا، لكن شرطة الاحتلال المنتشرة على أبواب المسجد وبواباته حاولت منع العديد منهم من دخول المسجد خاصة من بابي العمود والسلسلة، كما منعت الموجودين فيه من التصوير أو التراشق بالثلوج والاستمتاع بها في الساحة الشرقية منه، وفي مسار المستوطنين المقتحمين للمسجد.

انتقادات قادمة من الشمال

وفي المقابل لم تهطل الثلوج على نابلس، باستثناء تراكمها بضعة سنتمترات على الجبال المحيطة بها، مثل “جبل العرمة” جنوب بلدة بيتا، وجبل جرزيم أو الطور (جنوب المدينة، 881 مترا عن سطح البحر) لكن السماكة كانت بضعة سنتمترات فقط، وهو ما خلق حالة غضب شعبي على مجموعة من هواة الطقس غير الرسميين.
حالة الغضب وخيبة الأمل أصابت سكان مدينة نابلس لكون المدينة لم تحظ بتساقط الثلوج كما كان متوقعا، وهو ما دفع المواطنين إلى الانطلاق منذ ساعات الصباح الباكر بحثا عن الثلوج في المرتفعات العالية.
وكان هواة الطقس وتحديدا، مدير موقع “طقس فلسطين” أيمن المصري، قد قدم توقعات مرتفعة جدا بخصوص نتائج المنخفض الجوي القطبي حيث استخدام مصطلحات مثل “سيكون الثلج للركب”، وحضروا “الكريكات” (وهي كلمة تركية دخلت إلى العربية، وتعني المجرفة،) كي يتمكن المواطنون من إزالة الثلج من أمام بيوتهم.
لكن الثلج الخفيف جدا لم يصمد لساعات، وهو ما جعل نشطاء يطلقون مصطلح “ثلجة الكريكات” للسخرية من التوقعات التي قالت إن الثلج سيكون للركب، في إشارة إلى غزارة الهطول.
وقال الحكواتي حمزة عقرباوي: “زمان كان يعرفوا عن أمطار السنة وقدومها من حركة الرياح واتجاهاتها وتفاعل الدواب معها، وكذلك من ظهور قوس قزح، والاهم كان في خريطة لحركة الغيوم في رأس الكبار سناً يميزون طبيعة الجو منها، وطبعا فيه مجموعة إشارات أخرى مرتبطة بالمعرفة الشعبية لقدوم الشتاء وأمطاره… كل ذلك كان يتم من غير راصد جوي أو “كريكات” أو تهويل.. أو تحويل الشتاء لبعبع نخاف منه”.
وسخر عقرباوي قائلا: “أجلس الآن مستمتعاً وأمامي منقل النار يغلي عليه إبريق شاي، لكن عيني على (الكريك)، أنهض كل خمس دقائق وأغير مكان “الكريك” تحسباً لأي طارئ، ماذا لو هجم الثلج من الباب؟ أو كيف سأفعل إن داهمني الثلج من الشباك، كيف سأفعل إن امتلئ بطن الوادي بالثلج وصار الكوخ على شاطىء المثلج؟ (اسم بحر الثلج). وأكمل حديثه بكوميدية محببه: “ومن الواضح أنني سأنام والكريك في حضني، فلا يدري المرء ما يفعل بالثلج من غير كريك.. فهذه ليلة لا مزاح فيها انها ثلجة الكريكات..”كريك بالدار ولا عشرة عند التجار”.
الإعلامي جاد قدومي اعتبر أن “الأمور أبسط من تحميلها أكبر مما تحتمل، الراصد أيمن المصري استخدم اسلوبا فيه مبالغة ومزاح، بالتالي ردود الناس بنفس السياق والأسلوب.. يعني مش تنمر عليه”.
وتابع: “ليس هناك من داع ليزعل أيمن المصري ويعتزل ولا في داعي الناس تتعامل معه بشكل وكأنه هو من يجري السحاب”.
أما الإعلامي إيهاب الجريري فقال إنه “من جديد، الأرصاد الجوية الفلسطينية كانت دقيقة لحد كبير، موضوعية ورصينة”.
وتابع: “في كل العالم هناك هواة طقس، وهذا حقهم الطبيعي، لكن الناس مع الوقت تقرر تصدق من، ومع من تريد أن تتسلى وتضحك، هناك فرق كبير بين الاحتراف والمهنية، وبين الكوميديا والتسلية”.
وصباح أمس الخميس قال مدير عام دائرة الارصاد الجوية، يوسف أبو أسعد، إنه لن توجد تراكمات أو تساقطات جديدة للثلوج.
وأضاف أبو أسعد أن هطول الثلوج الذي صاحب المنخفض الذي يؤثر على فلسطين انتهى، ولن توجد تراكمات أو تساقطات جديدة، أما الراصد الجوي ليث العلامي فقال إن هناك احتمالية تأثر فلسطين بكتلة هوائية باردة منتصف الأسبوع المقبل، لكن لا يزال من المبكر تحديد تفاصيل هذه الكتلة.